بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد عليه صلاة ربي وسلامه إلى يوم الدين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:-
سأكتب في موضوع لطالما ترددت في الكتابة عنه ولكن لأهمية الموضوع وخطورته على المجتمعات الإسلامية بصفة عامة وعلى المجتمعات العربية بصفة خاصة سأخرج عن صمتي لأن الصمت في مثل هذه المواضيع الحساسة لا ينفع وليس حلاً بل المواجهة والبحث عن الأسباب وعلاجها هي الحل.
وسبب ترددي في كتابة الموضوع هو أنه بعد الإستشارات التي أجريتها ومن ناقشتهم في هذا الموضوع قالوا أنه سيأخذ من كلاك تهوين المصيبة والجريمة لمن يريد عملها فيقول سأعملها وأتوب وتنتهي المشكلة بما أن المجتمع سيتفهم ذلك ويعفوا عني بعد توبتي لذلك أحببت أن أقدم لموضوعي ببيان حكم هذه الجريمة والفاحشة العظيمة فإليكم الحكم وباختصار لكي لا يؤخذ من موضوعي عكس ما أريد أن أصل إليه:-
قال تعالى{وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً }
فقد حذر الله من القرب من الزنا مجرد القرب منه ومن أسبابه فما بالكم بالوقوع فيه يقول تعالى ناهياً عباده عن الزنا وعن مقاربته ومخالطة أسبابه ودواعيه {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً }أي ذنباً عظيماً {وَسَاء سَبِيلاً }أي بئس طريقاً ومسلكاً.
وقال تعالى{وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً * وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً}
فقد قرن الله في هذه الآية الزنا بأعظم الجرائم وجعله ثالثها بعد الشرك بالله وقتل النفس فمن وقع في الزنا فقد أعد الله له من الوعيد الشديد في الدنيا والآخرة فقد قال تعالى فيمن يرتكب جريمة الزنا: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً } روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: أثاماً: واد في جهنم. وقال عكرمة {يَلْقَ أَثَاماً }أودية في جهنم يعذب فيها الزناة. وكذا روي عن سعيد بن جبير ومجاهد. وقال قتادة {يَلْقَ أَثَاماً }نكالاً، كنا نحدث أنه واد في جهنم, {يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ } أي يكرر عليه ويغلظ {وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً } أي حقيراً ذليلاً.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا جرير حدثنا سليم بن عامر عن أبي أمامة أن فتى شاباً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه، فقال «ادنه» فدنا منه قريباً، فقال «اجلس» فجلس، قال «أتحبه لأمك» ؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: «أفتحبه لابنتك ؟» قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم. قال: «أتحبه لأختك ؟» قال: لا والله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال «أفتحبه لعمتك ؟» قال: لا والله جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال «أفتحبه لخالتك ؟» قال: لا والله جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم، قال فوضع يده عليه، وقال «اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه» قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء، وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا عمار بن نصر، حدثنا بقية عن أبي بكر بن أبي مريم عن الهيثم بن مالك الطائي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له»
والزنا من أكبر الكبائر ومن السبع الموبقات أي المهلكات ولايخفى على أحد شدة تحريمه وعظيم جرمه والأدلة على ذلك كثيرة وتحتاج لموضوع مستقل طويل لما فيه من هتك للأعراض وتشتيت للأنساب فحرمته عظيمه وليس هذا مجال ذكر حكم الزنا وما ذكرته يكفي لمن كان له عقل يتعظ به.
وبعد أن بينت الحكم وعظم جريمة الزنا سأعود لموضوعي الذي أريد أن أتكلم عنه وأريد منكم جميعاً أن تتكلموا عنه وتدلوا بآرائكم حوله حتى نخرج جميعاً بالفائدة المرجوة.
أحبتي الكرام لقد جعل الله جريمة الزنا وأحكامها على الرجل والمرأة نفس الحكم ولم يميز بينهما ويجعل حكماً للرجل وحكماً للمرأة وهو الواحد الأحد الفرد الصمد العادل البر الرحيم الذي لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون وقد جعل ربي جل شأنه باب التوبة مفتوح فمن تاب بصدق وإخلاص سيقبل الله توبته إن علم من عبده الصدق في توبته بمشيئته جل شأنه.
فلماذا ربنا يقبل التوبة ولا نقبلها نحن البشر الذين نخطي وأخطاءنا كثيرة.
أحبتي الكرام سيكون محور حديثي عن الفتاة الزانية أما الشاب فقد تكفل المجتمع به فالناس لا يحاسبون الشباب على أخطاءهم وكأنهم لم يخطئوا والدليل على ذلك أن الشاب يزني وتجد الشاب يعيش حياته بين أهله وفي مجتمعه وكأنه لم يعمل شيء ويقولون الله غفور رحيم ويزوجونه ويعاشرونه وكأن شيئاً لم يكن أما الفتاة فإذا زنت تعالوا وانظروا ماذا سيحصل لها من أهلها ومجتمعها كأنها مرضٌ معدي ليس له علاج حتى المرض يتعايش الناس معه ألهذا الحد وصل بنا الحال.
ولا يخفى على أحد مدى تعظيم جرم المرأة فمثلاً نقارن بين شاب يزني وفتاة تكلمت مع شاب عبر الهاتف تجد أن الشاب الذي زنى لم يعمل شيء في نظر الناس بينما هذه الفتاة التي تكلمت ولو لدقيقةٍ واحدة تقوم عليها الدنيا ولا تقعد وتنبذ من أهلها وتصبح في أعينهم خائنة ومكروهةٌ من جميع أهلها ولكن الشاب فعله أمرٌ عادي لم يعمل شيء مع ملاحظة الفرق بين المعصيتين ولكن لأنها فتاة تحاسب حتى على الذنب الذي لم تفعله لمجرد أنها فتاة فلماذا هذه التفرقة بين الشاب والفتاة هل سنعود لأيام الجاهلية قبل الإسلام ونجعل الفتاة منبوذة ونحتقرها وإن فعلت شيء أصبحت وصمت عار على أهلها بعكس الشاب.
لقد أتى الإسلام وكرم المرأة وصانها وجعل لها حقوقها ولم يفرق في العقوبات بين الرجل والمرأة ولم يميز في قبول توبة الرجل عن المرأة فهما عنده سواء لا يفرق بينهما من أخطأ حاسبه ومن تاب قبل توبته لذلك ينبغي أن نكون عادلين في أحكامنا ولا نظلم الفتاة وننسى الشاب.
سيكون حديثي على محاور والنقاش منكم على أساس هذه المحاور:-
المحور الأول
الفتاة الزانية لن تزني هكذا بل زناها له أسباب سواء من أهلها أو مجتمعها أو من حولها فلماذا نقف ضدها إذا زنت ألا يجدر بنا بما أننا السبب في زناها(وأقصد بصيغة الجمع هنا الأهل والمجتمع ومن حول الفتاة) أن نقف معها بعد وقوعها في الجريمة ونصحح الخطأ بالمعالجة والدواء ولا نزيد المشكلة فلا نجد الحل. قد يقول قائل لماذا؟
سأقول إن عالجنا المشكلة ووقفنا بجوارها فلن تستمر في جريمتها وستعرف خطأها وتتوب لأنها وجدت من يساعدها على التوبة ولكن إن تركناها ووقفنا ضدها وحاربناها كأنها عدو ففي هذه الحالة ستستمر في جريمتها وبهذا نكون ساعدناها في استمرار الجريمة وستزيد في هذه الحالة نسبة الجريمة لأنها ستوقع شباب آخرين في هذه الجريمة وربما تضل فتيات أخريات لكي يقعوا في نفس جريمتها.
المحور الثاني
الفتاة الزانية التائبة ألا يحق لها أن تعامل باحترام بعد توبتها وأن يقف بجوارها من يعرفها ويدعمونها ويساعدونها على توبتها حتى لا تعود
ألا يحق لها أن تعامل كما يعامل الشاب إذا تاب ألا يحق لها أن ننسى ماضيها ونبدأ معها صفحةً جديدة منذ توبتها لكي تصبح عضواً فعالاً في المجتمع بدل أن تصبح بدون فائدة أو تستمر في جريمتها ألا يحق لها كأقل تقدير أن تعامل كإنسانة فإذا لم نقف بجوارها ونساعدها على توبتها فلا ينبغي أن نقف ضدها ونحملها مالا طاقة لها به وكأنها من أفسد الكون ألا يحق لها بعد توبتها أن تعيش بين الناس كإنسانة ولا تصبح منبوذةً من المجتمع ألا يحق لها أن تعامل كما عومل الشاب الزاني حتى لو لم يتب فهو لا يؤاخذ بجريمة أرتكبها ألا يحق لها أن ندعو لها بدل أن ندعو عليها أظن أن ذلك من حقها.
المحور الثالث
الفتاة المغتصبة التي أكرهت على الزنا لماذا أيضاً تعامل معاملةً سيئة على الرغم أنها أول من تأذى ألا ينبغي لنا بدل زيادة جراحها أن نداويها ونقف بجوارها ونجعلها تتجاوز محنتها لماذا نحاسبها وكأنها من سعت لجريمة الزنا والشاب الذي أغتصبها يعيش حياته في المجتمع وكأنه لم يعمل شيء ألا يحق لهذه الفتاة المغتصبة أن نكون عوناً لها على مصابها ونجعلها تتخطى محنتها بكل قوةٍ وتفاؤل ألا يحق لها أن تعيش باقي حياتها كأي فتاةٍ عادية هذا أقل شيء تستحقه بعد مصيبتها.
المحور الرابع
ما هو الفرق بين الشاب والفتاة في الزنا ألم يرتكبا نفس الجريمة التي جعل الله عقوبتها نفس العقوبة على الفتاة والشاب ولم يفرق بينهما
هل الفرق هو أن للفتاة بكارةٌ تنفض أو ربما تحمل جنين من هذه الجريمة والرجل ليس له ما يبين جريمته.
سؤالي هو لو أن الفتاة إذا زنت لم يتبين عليها فعل هذه الجريمة وكأنها لم تفعل الفاحشة هل سيكون منظورنا لها ومعاملتنا لها بنفس هذا السوء أم ستقل سوء المعاملة؟
طبعاً سيخفف هذا الشيء من هون الجريمة ولكن لأنها فتاة سيظل الإحتقار لها مستمراً فما هو الفرق بين الشاب الزاني والفتاة الزانية سؤال أدعكم تجيبون عليه يا من تقرؤون هذا الموضوع أما من ناحية الشرع فقد جعل الله عقوبتهما نفس العقوبة وتوبتهما نفس التوبة ولم يفرق بينهما رب العزة والجلال لأنه عادلٌ برٌ رحيم أما نحن معشر البشر فحدث ولا حرج.
أحبتي الكرام بعد ما ذكرت سابقاً ولو أني لم أذكر شيئاً مفيداً يذكر ولكن هل سنعيد نظرتنا في معاملة الفتاة الزانية؟
لست هنا أقول للفتاة أفعلي هذه الجريمة وستنتهي المشكلة بل موضوعي هذا يحذر الفتاة من الوقوع في الزنا لأنها ستعلم ما سيواجهها من الناس والمجتمع إذا وقعت في الجريمة ولكن من لا يخاف من الله فلن يهمه الناس لذلك أقول لمن سيقول لي هذا الموضوع لا يستحق أن تكتب عنه لأنك بهذا الموضوع ربما تهون الأمر على الفتاة وتقع في جريمة الزنا فأقول له يا أخي الكريم الفتاة إذا لم تراقب ربها وهو من أنعم عليها الصحة والعافية ولم تخف من ملك الموت الذي ربما يأتيها وهي على جريمتها ولم تخف من عقاب الآخرة فلن يهما المجتمع وتستطيع أن تعمل جريمتها وتخفيها دون علم أحد بذلك وأظنكم تعرفون ما أقصد مع تطور العلم.
يتبع