حليمة تسافر باليتيم
سافرت حليمة السعدية من بني سعد ((ثقيف)) قاصدة مكة المكرمة ومعها زوجها وابن لها
صغير ومجموعة من النساء .
سافرت حليمة ومن معها حينما أجدبت الأرض ، وامتنع القطر ، وعظمت الفاقة ،، واشتدت
الحاجة سافرن يلتمسن الرضعاء ، حيث كانت تلك العادة مشهورة ، وسنةً متبعة عند أهل مكة
والأغنياء منهم على وجه الخصوص ، كانوا يبعثون أبناءهم إلى الباديه لترتاح الأم المترفة من
تعب الرضاعة والتربية ولأمر أهم من ذلك وهو تعليمهم وتأديبهم ، وتدريبهم على الفصاحة
والشجاعة ومكارم الأخلاق ، وغير ذلك من الأهداف . ويبذلون للمرضعات مكافآت طيبة ،
وأجرة مجزية .
ولنترك الحديث الآن لهذه المسافرة التي كانت تتمنى أن تقع يدها على رضيع من أسرة غنية
يكون والده موجوداً لتظفر بالأعطيات ، وتفوز بالهبات ولكن يقع سهمها على طفل يتيم فتحزن
لذلك ، فكان ذلك اليتيم مفتاح السعادة لحليمة السعدية ، لقد أخذت يتيماً إلا أن هذا اليتيم فيما
بعد هز الدنيا ، وغير وجه التاريخ ، وأذعن له العظماء ، وجثا أمامه الأغنياء ، وتسابق إليه
الوجهاء .
أنت اليتيم ولكن فيك ملحمة يذوب في ساحها مليون جبار
تقول حليمة :
فخرجت على أتان لي – أنثى الحمار – قمراء معنا شارف لنا ، والله ما تبض بقطرة – ما
ترشح - ، وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا من بكائه من الجوع ، مافي ثديي ، وما
شارفنا ما يغذيه ، ولكنا كنا نرجو الغيث والفرج . فخرجت على أتاني ، فلقد أدمت بالركب حتى
شق ذلك عليهم ضعفا وعجفا حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء ، فما منا امرأة إلا وقد عرض
عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه إذا الرضعاء إذا قيل لها أنه يتيم ، وذلك أنا إنما كنا
نرجو المعروف من أبي الصبي ، فكنا نقول : يتيم ! وما عسى أن تصنع أمه وجده ! فكنا نكرهه
لذلك . فما بقيت امرأة كانت معي إلا أخذت رضيعاً ، غيري . فلما أجمعنا الانطلاق قلت
لصاحبي : والله أني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم أخذ رضيعاً ، والله لأذهبن لذلك اليتيم
فلا خذنه ! قال : لا عليك أن تفعلي ، عسى الله يجعل لنا فيه بركة !
قالت : فذهبت إليه فأخذته وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره فلما أخذته ، رجعت به إلى
رحلي ، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن ؛ فشرب حتى روي ،وشرب
معه أخوه حتى روي ثم ناما ، وما كنا ننام منه قبل ذلك . وقام زوجي إلى شارفنا تلك فإذا إنها
لحافل ، فحلب منها ما شرب وشربت معه حتى انتهينا رياً وشبعناً ، فبتنا بخير ليلة !
قالت : يقول صاحبي حين أصبحنا : تعلمي والله يا حليمة ، لقد أخذت نسمة مباركة ! فقلت :
والله إني لأرجو ذلك .
ثم خرجنا وركبت أنا أتاني ، وحملته عليها معي ، فو الله لقطت بالركب مايقدر عليها شيء من
حمرهم ، حتى إن صواحبي ليقلن لي
يا ابنة أبي ذؤيب ، ويحك أربعي علينا ، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها ؟! فأقول
لهن : بلى والله ، إنها لهي ! فيقلن : والله إن لها لشأنا !
ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد ، وما أعلم أرضاً من أرض الله أجدب منها ؛ فكانت غنمي
تروح علي حين قدمنا به معنا شباعاً لبنا فنحلب ونشرب ، وما يحلب إنسان قطرة لبن ، ولا
يجدها في ضرع حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم : ويلكم أسرحوا حيث يسرح
راعي بنت أبي ذؤيب . فتروح أغنامهم جياعاً ما تبض بقطرة لبن ، وتروح غنمي شباعاً لبنا .
فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته ، وكان يشب شباباً لا يشبه
الغلمان ، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاماً جفراً - الغليظ الشديد - ، فقدمنا به على أمه ونحن
أحرص شيء على مكثه فينا ؛ لما كنا نرى من بركته ، فكلمنا أمه وقلت لها : ولو تركتي بني
عندي حتى يغلظ ، فأني أخاف عليه وباء مكة . فلم تزل بها حتى ردته معها .
فرجعنا به فو الله إنه بعد مقدمنا به بأشهر ومعه أخوه لفي بهم
- صغار الغنم – لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشتد فقال لي ولأبيه : ذاك أخي القرشي قد أخذه
رجلان عليهما ثياب بيض ، فأضجعاه فشقا بطنه ، فهما يسوطانه - يفريان بعضه ببعض - !
فخرجت أنا وأبوه نحوه ، فوجدته قائماً منتقعاً وجهه ، فالتزمته والتزمه أبوه .
فرجعنا به إلى خبائنا وقال لي أبوه : ياحليمة ، لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب ،
فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به .
فاحتملناه ، فقدمنا به على أمه ، فقالت : ما أقدمك به يا ظئر
- المرأة ترضع ولد غيرها - وقد كنت حريصه عليه وعلى مكثه عندك ؟ فقلت قد بلغ الله بابني
وقضيت الذي علي ،وتخوفت الأحداث عليه ، فأديته إليك كما تحبين . قالت ماهذا شأنك
فاصدقيني خبرك . فلم تدعني حتى أخبرتها . قالت : أفتخوفت عليه من الشيطان ؟ قلت نعم .
قالت : كلا ، والله ما للشيطان عليه من سبيل ، وإن لبني لشأنا ، أفلا أخبرك خبره ؟ قلت بلى ؛
قالت : رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء قصور بصري من أرض الشام ، ثم حملت
به فو الله ما رأيت من حمل قط كان أخف علي ولا أيسر منه ، ووقع حين ولدته وإنه لواضع
يديه بالأرض ، رافع رأسه إلى السماء . دعيه عنكي وانطلقي راشدة .
وقفة مع اليتيم :
بعض أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم اشتاقوا إلى معرفة شيء من أخباره فسألوه
قائلين : يارسول الله ، أخبرنا عن نفسك . قال نعم . أنا دعوة أبي إبراهيم ، وبشرى أخي عيسى
، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام ، واستعرضت في بني
سعد بن بكر .
فبينا أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهماً لنا ، إذ أتاني رجلان عليهما ثياب بيض ، بسطت من
ذهب مملوءة ثلجاً ، ثم أخذاني فشقا بطني ، واستخرجا قلبي فشقاه ، فاستخرجا منه علقة
سوداء فطرحاها ، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه ، ثم قال أحدهم لصاحبه : زنه
بعشرة من أمته . فوزنني بهم فوزنتهم ثم قال : زنه بمائة من أمته . فوزنني بهم فوزنتهم . ثم
قال : زنه بألف من أمته . فوزنني بهم فوزنتهم . فقال : دعه ؛ فوالله لو وزنته بأمته لوزنها
صلى الله عليه وسلم .
من كتاب أنيس المسافر وسلوة الحاضر
د / ناصر بن مسفر القرشي الزهراني
أنصر نبيك لو بكلمة
أللهم صلي وسلم على أفضل من حل وارتحل ، ومكث
وانتقل ، وسار ونزل ، وقام وسافر ،
وسكن وهاجر ، أقام فكان النور والخير والبركة في إقامته ، وسافر فكان الظفر والفلاح
والنجاح في سفره ، وهاجر فغير وجه الأرض بهجرته ، قائد الغر المحجلين والمهاجرين ،
وأعظم المقيمين والمسافرين ، وأصدق المرتحلين والمهاجرين ، وأعظم المقيمين والمسافرين
، وأصدق المرتحلين والمهاجرين ، دلنا على الخير في سفرنا وحضرنا ، وإقامتنا وظعننا ، صلى
الله عليه وسلم وعلى أله وصحبه أجمعين .

Thanks