الجزء الثالث :
لقد كان ربيعا و كانت كل التحضيرات للمولود الجديد جاهزة و كان الجميع ينتظر ولادة والدتي فهي تتألم
و أنا كنت قلقة جدا عليها و في نفس الوقت كنت أفكر في قلبي ماذا افعل أنا مقصرة
فوالدتي تتألم و أنا أبحث عن أي عذر لكي أخرج من القصر لكي أراه و لو لدقيقة واحدة فقط فذهبت إلى غرفتي و أخذت عبائتي و ناديت:
ـــ دادة دادة ...
فخرجت من الغرفة التي كانت فيها والدتي و قالت:
ـــ لا تخافي فمازال الوقت مبكر
ـــ أعرف انه الوقت مبكر أنا أريد الخروج
ـــ إلى أين ستذهبين و بمفردك ؟
ـــ لا تخافي سأرجع بسرعة سأذهب لكي أضيئ شمعة من أجل سلامة والدتي
ـــ أجل عزيزتي أرجعي بسرعة ليس جيدا البنت تكون خارج البيت لوحدها و في المغرب
ـــ الآن سأرجع
فذهبت الى الحديقة وقطفت ورده حمراء و ذات رائحة فواحة و أخفيتها خلف عباأتي و خرجت من القصر دون أن ينتبه أحدا إلي لأن الجميع كانوا مشغولين البال على والدتي.
فمشيت بسرعة إلى أن أوشكت على الوصول فكلما خففت من سرعتي بدأت دقات قلبي تتسارع فذهبت إلى الكنيسة و بعجلة أضأت الشموع و دعيت لوالدتي بأن تقوم بالسلامة و دعيت لنفسي بأن يا رب تخفف من عذابي و خرجت متوجهة الى الدكان فاقتربت و دقات قلبي تتسارع فرأيته كان منهمكا في العمل ولم ينتبه الى حضوري فكحيت حتى ينتبه الي رفع راسه وقال:
ـــ مرحبا
ـــ مرحبتين
فقدمت الوردة إليه وقلت:
ـــ هذه لك
ـــ لي أنا ؟
ـــ نعم لك أنت
ـــ ما هي المناسبة ؟
ـــ ثمن الإطار
فضحك وأنا فرحت من أجله. سبحان الله هذا النجار في هذا الدكان الصغير أجمل بكثير من جمال إبن عطاء الدولة أو يمكن أن يكون في نظري أنا هذا الشيء . حقيقة مكانه ليس هنا بل مكانه في قصر وبين الملوك فقال :
ـــ ما هو اسمك؟
ـــ مريم
قلتها بصوت منخفض جدا لا أعلم إن كان قد سمعني أم لا فإن سمعني فهذه معجزة .
ومن دون أن يقول أي كلمه حمل الوردة مرة أخرى وشمها وسألني :
ـــ هل أنت مرتبطة ؟
قلت لنفسي أهربي يا مريم هيا أهربي ولا تعطيه مجال ليتمادى أكثر فهذا الولد وقح هيا أهربي ماذا يظن نفسه هذا النجار المعدم فالمفروض أن أبصق في وجه . ولكن لماذا أنا هادئة هكذا وراضية عن كل شيء ماذا حدث لي يا ترى ؟ أردت أن أشتمه ولكن سمعت نفسي اقول :
ـــ هم أرادوا ولكن أنا لاااا
ـــ لماذا ؟ هل أنت بخيله لكي تحرمينا من حلوان زواجك
ـــ لا إن شاء الله سوف تأكل حلواني
ـــ لماذا ؟
نظرت إلى عينيه مثل الأرنب الذي أسير الى الأفعى ولكن من منا كان الأفعى ؟ لا أعرف كلانا الاثنين أسيرين للعبة القدر , أنزل رأسه في الأرض وشد على المنشار الذي كان في يده وكأنه فهم الذي ما كان يجب أن يفهمه . رجعت وأتجهت الى القصر .
وبعد طول إنتظار تحققت إمنية والداي فأنجبت والدتي ولد ذكر وكان والدي لا تسعه الفرحة فاحتفل ثمانية ليالي بمناسبة تشريف أخي محمد رضا وكان القصر يعج بالضيوف الأصدقاء والمعارف والأقرباء والهدايا من مجوهرات وذهب وووو... والجميع كان فرحا بهذه المناسبة وكان القصر لا يخلى من الناس أختي شهرزاد كانت تتفرج على الناس
ـــ مريم تعالي لنذهب و نتفرج
ـــ أنا لا أريد الذهاب معك اذهبي بمفردك
ـــ لماذا فكل شيء يدعو للتفرج
ـــ أنا لا أريد بل أريد الذهاب لأضيئ شمعة
ـــ واااه أنت كم مرة تضيئين شمعة هذه المرة الثالثة التي تضيئين الشمعة لوالدتي
ـــ أنت لا تتدخلي و ليس لسلامة والدتي بل هي لسلامة أخي و هذه المرة الثانية
ـــ وأنا ما دخلي ذهبتي أم لم تذهبي
لقد كان ظهرا و كان يجب علي أن أرجع بسرعة و لكن لم أكن أعرف بأي عذر أوقف جنب الدكان فأقتربت و جسمي يرتعش و دقات قلبي تتسارع لقد رأيته واقفا جنب باب الدكان و أنا توقفت للحظة و قلت في نفسي ماذا لو أعترض طريقي ؟ ماذا سيحصل ؟ ستكون فضيحة في الحي و لكنه لم يفعل و لمجرد أن رآني دخل بسرعة داخل الدكان وفي لحظة رأيت قد وقع شيئا من يده كانت ورقه صغيرة فأقتربت بهدوء ووضعت قدمي فوقها فأحسست و كأنه نارا تشتعل من أسفل قدمي الى قلبي فكانت في يدي قطعة نقدية فرميتها على الأرض و بسرعة و بحجة أني سألتقطها من الأرض ألتقط النقود مع الورقة و بسرعة رجعت الى القصر و في الطريق كان يتهيأ أن الناس يصرخون خلفي ماذا ألتقطي من الأرض ؟
لما رجعت الى القصر لم أكن أتجرأ أن أنظر الى أحد في تلك الأيام القصر كان مزدحما وأنا كنت فرحة لأن الجميع كانوا غافلين عني .
أين أذهب وأقرأ الرسالة و لهذه اللحظة لم يخطر على بالي بأنه قد يكون متعلما أم لا ؟ فإذا هو
متعلم الحمد لله و لقد كان جسمي يرتعش من الخوف و كنت مرتبكة الى أين اذهب فذهبت الى الغرفة و أقفلت الباب بحجة أني سأغير ملابسي لكي لا يدخل أحد فتحت الرسالة كانت ورقة صغيرة و من دون مقدمات و بخط جميل جدا كان مكتوب فيها بيت شعر و كان المقصود من هذا البيت<< أنه القلب لما يهوى فلا يفرق بين خلق الله فسيأتي يوم و ينكشف ما بالقلب >> إذا هو
يبادلني الشعور ذاته لا يكون يفعلها وننكشف إذا هو يعلم بأني أنا أيضا ... ماذا أفعل ؟ ما هذه الورطة ؟
يا له من خط جميل إذا هو خطاط الآن استطيع أن أقول لوالدي بأنه خطاط و لكن ماذا عن الدكان
فهو ليس صاحبه بل مجرد صبي . سأذهب وأرمي الرسالة في وجهه و سأقول له أخجل من نفسك وليس لك الحق
أن تعترض طريقي مره أخرى وليس لك الحق تنظر الي بنظرة وله و ليس لك الحق بأن ترمي لي الرسائل مرة أخرى ولكن إن قال هذه الرسالة لم اكتبها لك ماذا سيحدث حينها فالرسالة لا تحتوي على أي اسم و لا تخاطب شخص معين أصلا من الأساس ممكن لم تكن لي و قد يكون المقصود شخص أخر لماذا لم أنظر الى من حولي ربما كان يوجد إمرأة خلفي لماذا أذللت نفسي ؟
و لكن بدل كل هذا أخذت الورقة الحقيرة و قبلت خطوطهاو أحتفظت بها .
أنا إبنة بصير الملك أتمنى لو كسرت قدمي قبل أن أذهب إلى دكانه مرة أخرى
لن اذهب إليه فالى هذا الحد و كفايه .
تصر على تعجيل الزواج و لكن والدتي تطلب منها مهلة شهر أو شهرين لأنه بصراحة أختي كانت صغيرة و كان عمرها لا يزيد عن الحادي عشر . كانت والدتي تأجل زواج أختي بحجة أني أنا حتى الان لم أتزوج بعد ولكن خالتي كانت مصرة .
كنت جالسة مع والدتي و هي كانت ترضع أخي فأبتسمت لي و قالت :
ـــ البارحة والدك زف إلي خبر مفرح لقد تقدم لخطبتك خطيب رائع , عمك يريد أن يطلب يدك لإبنه منصور .
فاستأت من كلامها و ألزمت الصمت فأعتبرت والدتي ردت فعلي معبرة عن الخجل .
هذه المرة لن يكون لي أي عذر على قول الدادا إبن عمي رجل بكل معنى الكلمة غني ووسيم و متعلم ولا يقل شأنا عن إبن عطاء الدولة . فهو يكبرني بعشر سنوات.
وقد قال لوالده أن مريم لي من يوم أبصرت النور قلت لنفسي هذه من ستكون زوجتي فأنا ما زلت حتى الآن صابر وأيضا سأصبر أنا أريدها هي ولا أريد سواها فمنذ إن كنا صغارا وأنا أريدها .
فأي وحده مكاني كانت ستتمنى هذه الزيجة طبعا غيري , أنا يا لها من ورطة وقعت فيها
ركضت إلى الغرفة وأخذت الورقة وقرأت البيت الشعر مرة أخرى وبعدها قبلتها وكأني بهذا الشيء أداوي جروحي لقد كانت الخطوبة جدية وكنت خائفة ومحتارة ماذا أفعل كنت أبحث عن أي عذر مقنع لرفضه ولكن لا يوجد فأخذت ورقة بيضاء وعطرتها وزينت أطرافها بالورود و لونتها و كتبت فيها بيتين شعر .
في ذلك الزمان عندما البنت تكون في الخامسة عشر من عمرها تحب أو تعشق هذه لوحدها معصية
لدرجة قد إنها من الممكن أن تسبب في إسالت الدماء ما إذا وصل لكتابة رسالة ولرفض الخطيب و إن كان هذا من أجل حب نجارا معدم هذا بنفسه شيء كبير فكيف أذا وصل لبنت بصير الملك فمجرد التفكير بهذا الشيء يجعل القلب يتوقف.
فلم يكن عندي أي عذر للخروج من القصر على كل حال خرجت من القصر و كان وقتها غروب توجهت إلى الدكان فرأيته و هو على وشك الخروج . أنا كنت ذاهبة أنهي الموضوع وأضع له حدا فرآني وبصوت منخفض قال :
ـــ وأخيرا حضرتي
رفعت الخمار عن وجهي و نظرت في عينيه وأبتسمت له قال :
ـــ هل تعلمين كم يوم مضى ولم تسألي عني ؟
ـــ أعرف
ـــ هل تريدين أن تجننيني أنت ؟
ـــ إن كنت أنا قد جننت فلماذا أنت أيضا لا تجن ؟
نظر إلي و هو متعجبا و لم يصدق بأن أنا اكلمه بهذه الطريقة و من غير رسميات لقد كان واقفا و ينظر إلي وهو في حيرة ماذا يقول قلت
ـــ فلم أكن أعرف بأنك متعلم
ـــ نعم أنا متعلم
ـــ هذا الخط جميل فمن أين تعلمته ؟
ـــ تعلمته في تبريز << تبريز مدينه في شمال ايران>> فمنذ الوالدة إلي الثانية عشرة من عمري كنت أعيش في تبريز كان والدي من هناك ووالدتي من الشمال كنا مستأجرين غرفة في منزل مطوع وهو الذي علمني الكتابة و القراءة
ـــ و الآن هل تدرس ؟
ـــ كنت أتمنى الذهاب الى دار الفنون
ـــ لماذا لم تذهب
ـــ قلت لك والدي توفى وأنا الذي علت والدتي من بعد وفاته و الآن أريد العمل في وقت الفراغ لكي أدخر النقود لكي اذهب إلى مدرسة عسكرية
ـــ اهاااا خيرا ما تفعل ولو انه خسارة سيحلقون شعرك
فعم السكوت بيننا مرة أخرى وأنا كنت فرحة في داخلي لأنه يريد أن يصبح ذا شأن فمددت يدي له وقلت :
ـــ هذا لك
فأبتسم لي مرة أخرى و نظر في عيني و كأنه يقرأ كل أفكاري
ـــ لي أنا ؟
ـــ نعم لك أنت
ـــ ماذا يكون ؟
ـــ خذه و ستعرف بنفسك
أقترب مني و كنت أتمنى في تلك اللحظة بأن يتوقف الزمن و تدوم هذه اللحظة مدى الحياة و لكن يا خسارة هذه كانت مجرد ثواني أخذ الورقة من يدي و بعدها رجعت إلى القصر .
في تلك الأيام كان في القصر لا يوجد إلا الكلام في موضوعي أنا و منصور كان والداي فرحين لهذا الموضوع . وبعد عدة أيام دعانا عمي لقضاء أسبوع في مزرعته وأنا كنت خائفة ومحتارة ماذا أفعل بهذا الموضوع ففكرت مليا وقررت الذهاب إلى بيت أختي ليلى .
فذهبت وحدي وفي طريقي مررت الى الدكان وكان هو واقفا في وسط الدكان
ـــ السلام عليكم
ـــ عليكم السلام
فذهب قرب الطاولة في وسط الدكان وأخذ شيئا و أتجه نحوي
ـــ هذا لك
ــ ما هذا ؟
مددت يدي ووضع فيها خصلة شعر من شعره التي كانت مربوطة بخيط , رفعت الخمار من على وجهي وابتسمت في وجهه وهو أيضا بادلني نفس الإبتسامة كنت انظر في عينيه وكنت أريد التكلم ولكنني لم أستطع وكأنه فهمني ومن دون مقدمات قال :
ـــ أريد أن اطلب يدك
تسارعت دقات قلبي
ـــ غير ممكن
ـــ لماذا ؟
ـــ يريدون أن يزوجوني لإبن عمي
أختفت الإبتسامة من على شفايفه وتنهد آآآآه وألتزم السكوت بعدها رد علي وبحسرة
ـــ هل أنت أيضا تريدينه ؟
ـــ لااااا
عم السكوت بيننا بعدها قلت
ـــ أنا الآن ذاهبة الى بيت أختي لكي أقول لها إني لا أريد الزواج من إبن عمي
ـــ وإن سألتك تريدين من ؟
ـــ نجار حينا
فضحك بصوت عالي ونظر إلى ولم أهرب من نظرته إلى أني كنت سأموت من الخجل سألني
ـــ هل تقولين الحقيقة
ـــ نعم
ـــ إذا دعيني أحضر وأطلب يدك
ـــ لا لم يحن الوقت بعد أصبر إلى أن أختي تكلم والداي عندها سأخبرك
ـــ حقا أنت مستعدة للزواج مني ؟ وأن تكوني زوجت واحد لا شيء ؟
ـــ نعم
فحرك رأسه و كانت علامات الأسف و الحسرة ظاهرة على وجه
ـــ ألن تندمي ؟
ـــ لماذا ؟ فأنا لا أرى فيك أي عيب
ـــ عيبي هو إني عشقت و يدي فارغة
فضحكت و توجهت إلى بيت أختي وفي الطريق بإستمرار كنت أنظر إلى خصلة الشعر .
قلت لأختي :
ـــ جئت للغذاء عندكم
مع إن أختي تعجبت من هذا الأمر إلا إنها فرحت لقدومي الى بيتها فأقتربت مني و سألت :
ـــ ماهي آخر الأخبار ؟
ـــ عمي دعانا لقضاء أسبوع في مزرعته يبدو أنهم يريدون التكلم عن موضوعي أنا و منصور
ففرحت أختي من هذا الخبر
ـــ لاحظت بأنك لستي على طبيعتك فهل هذا كله بسبب منصور , مبروك
ولكني فضلت السكوت و كنت مرتبكة و ارتجف فلاحظت علي أختي و قالت
ـــ ماذا دهاك يا مريم تكلمي بس لا تكوني تحبي ؟
وفجأة و من دون إرادتي بكيت فأستغربت أختي مني وسألتني :
ـــ هل أنت تحبين منصور ؟
ـــ لا
فأستغربت و أخفضت صوتها و قالت :
ـــ مريم هل انت تقولين الصدق
كنت ساكته و ابكي
ـــ تكلمي تحبين من ؟
بدأت تعد لي كل شباب أقاربنا قلت:
ـــ لا يا أختي
ـــ إذا تكلمي من هو ؟ لا تكوني قد أحببتي واحدا متزوجا و عنده أولاد هل هو يقرب لنا ؟ أين رأيته ؟
ـــ لا ليس من أقاربنا
و أكثرت بالبكاء
ـــ لا ؟ إذا من هو ؟ هل هو يبادلك الشعور ذاته ؟ هل انتم تتواعدان ؟
والدموع تنهمر على وجهي و قلت :
ـــ نعم يا أختي هو أيضا يبادلني الشعور لا تحزني يا أختي لأنه ... لأنه ... ليس من مستوانا
ـــ إذا من هو ؟
الآن هي التي بدأت بالارتجاف فقلت لها
ـــ انسي يا أختي فلا يوجد احد
أردت النهوض إلا إنها أمسكت يدي بقوة و قالت
ـــ كيف أنسى و إلى أين تذهبين أجلسي و أخبريني القصة و من هو ؟
ـــ لا أستطيع إخبارك
ـــ مريم أنت الآن ستقتلينني و سيتوقف قلبي و أرجوك لا تلفي و تدوري و أخبريني من يكون
و هل هو الذي قال لكي بأنه هو أيضا يبادلك الشعور ذاته ؟
ـــ نعم يا أختي
و قالت بحسرة
ـــ إذا تتكلمون مع بعض ؟